المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان
539
مجموع رسائل الإمام المنصور بالله
وأما قوله أيده اللّه : لم يعقل من الخبر إلا أنهم أسلموا وأقاموا بدار الحرب ، فهذا غير مستقيم ؛ لأن دار الحرب ما كانت الشوكة فيها والغلبة للكفر وأهله وذلك لم يكن ليتصوّره من يعرف الحال كيف كانت العرب في جاهليتها ، كان لكل قبيلة منها بلدة لباديتها وحاضرتها لا يدخل عليها إلا المغير مخاطرا ، أو المستأمن زائرا أو تاجرا ، وهذا معلوم لنا ولمن كان يعلم ، فإذا جاء جيش المسلمين إلى الحي الذي هذه حاله ، وأعرض « 1 » عليهم الإسلام فأسلموا ، فمن أين أن دارهم تبقى دار حرب والحال هذه ! ! فهذه قريش على كثرة عددها وعددها ، وشدة بأسها وجلالها لم تتمكن من الخروج إلى بدر مخافة لبني بكر بن عبد مناة لدماء كانت بينهم حتى دخل إليهم الشيطان لعنه اللّه إلى دار الندوة في صورة سراقة بن جعشم ، وقال لهم : إني جار لكم من بني بكر بن عبد مناة ومن أهل نجد فامضوا بطلبتكم ، وقد ذكر اللّه ذلك سبحانه في قوله : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [ الأنفال : 48 ] . وأما قوله أيده اللّه : لكانت دار إسلام فلم يلزمهم التحوّل ، فالتحوّل كان واجبا قبل الفتح على جميع من أسلم ، ولا يتخلّف متخلّف إلا بإذن أو أمر ، وذلك معلوم لأهل العلم ، وقد نبّه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : « لا هجرة بعد الفتح » ، يريد الوجوب لا الجواز . وأما قوله أيده اللّه : إلا أن يقال : إن الحكم كان على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أن أهل المدن وأهل القرى إذا أسلموا بقاطبتهم حتى لا يبقى منهم كافر لا يقبل ذلك منهم حتى يهاجروا إلى المدينة ولا تكون دارهم دار هجرة ولا دار إسلام ، فما الدليل ؟
--> ( 1 ) كذا في ( أ ) ، وفي ( ب ) : وعرض .